الذهبي
145
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام
إنّك إن لم تفعل ما أمرك به ربّك عذّبك ، قال عليّ : فدعاني فقال : « يا عليّ إنّ اللَّه قد أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين ، فعرفت أنّي إن بادأتهم بذلك رأيت منهم ما أكره ، فصمتّ ، ثم جاءني جبريل فقال : إن لم تفعل ما أمرت به عذّبك ربّك ، فاصنع لنا يا عليّ رجل شاة على صاع من طعام وأعدّ لنا عسّ لبن [ ( 1 ) ] ، ثم اجمع لي بني عبد المطّلب » ، ففعلت ، فاجتمعوا له ، وهم يومئذ أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصون ، فيهم أعمامه أبو طالب ، وحمزة ، والعبّاس ، وأبو لهب ، فقدّمت إليهم تلك الجفنة فأخذ رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم منها حذية [ ( 2 ) ] ، فشقّها بأسنانه ، ثم رمى بها في نواحيها وقال : « كلوا باسم اللَّه » ، فأكل القوم حتى نهلوا عنه ما نرى [ ( 3 ) ] إلّا آثار أصابعهم ، واللَّه إن كان الرجل منهم ليأكل مثلها ، ثم قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم : « اسقهم يا علي » ، فجئت بذلك القعب [ ( 4 ) ] ، فشربوا منه حتى نهلوا جميعا ، وأيم اللَّه إن كان الرجل منهم ليشرب مثله ، فلما أراد النّبيّ صلّى اللَّه عليه وسلّم أن يتكلّم بدره أبو لهب فقال : لهدّ ما [ ( 5 ) ] سحركم صاحبكم ، فتفرّقوا ولم يكلّمهم ، فقال لي النّبيّ صلّى اللَّه عليه وسلّم من الغد : « عد لنا يا عليّ بمثل ما صنعت بالأمس » ، ففعلت وجمعتهم ، فصنع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم كما صنع بالأمس ، فأكلوا حتى نهلوا ، وشربوا من ذلك القعب حتى نهلوا ، فقال النّبيّ صلّى اللَّه عليه وسلّم : « يا بني عبد المطّلب إنّي قد جئتكم بأمر الدنيا والآخرة » [ ( 6 ) ] . قال أحمد بن عبد الجبّار العطارديّ : بلغني أنّ ابن إسحاق إنّما سمعه
--> [ ( 1 ) ] العسّ : القدح الضخم . [ ( 2 ) ] حذية : بكسر الحاء المهملة وسكون الذال المعجمة . ما قطع من اللحم طولا ، وقيدها في الأصل بضم الحاء . [ ( 3 ) ] في السير « فما رئي » . [ ( 4 ) ] القعب : القدح الضخم . ( تاج العروس 4 / 63 ) . [ ( 5 ) ] لهدّ : كلمة يتعجّب بها . والنهاية لابن الأثير 4 / 242 . [ ( 6 ) ] السير والمغازي 145 ، 146 دلائل النبوّة للبيهقي 1 / 428 - 430 ، مجمع الزوائد 9 / 113 ، تاريخ الطبري 2 / 319 ، 321 .